ابن أبي الحديد
257
شرح نهج البلاغة
والتصرف في أنفسهم ، فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة ، ونسي هذه الخصيصة ، ولا نظير لها ولكن لا يبالي الجاحظ بعد أن يسوغ له لفظه ، وتنسق له خطابته ، ما ضيع من المعنى ، ورجع عليه من الخطا . فاما قوله واعلموا أن العاقبة للمتقين ، ففيه إشارة إلى معنى غامض قصده الجاحظ - يعنى أن لا فضيلة لعلى عليه السلام في الجهاد ، لان الرسول كان أعلمه انه منصور ، وان العاقبة له - وهذا من دسائس الجاحظ وهمزاته ولمزاته ، وليس بحق ما قاله ، لان رسول الله صلى الله عليه وآله اعلم أصحابه جملة أن العاقبة لهم ، ولم يعلم واحدا منهم بعينه انه لا يقتل ، لا عليا ولا غيره ، وان صح انه كان أعلمه انه لا يقتل ، فلم يعلمه انه لا يقطع عضو من أعضائه ، ولم يعلمه انه لا يمسه ألم جراح في جسده ، ولم يعلمه انه لا يناله الضرب الشديد . وعلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد اعلم أصحابه قبل يوم بدر - وهو يومئذ بمكة - أن العاقبة لهم ، كما اعلم أصحابه بعد الهجرة ذلك ، فإن لم يكن لعلى والمجاهدين فضيلة في الجهاد بعد الهجرة لإعلامه إياهم ذلك ، فلا فضيلة لأبي بكر وغيره في احتمال المشاق قبل الهجرة لإعلامه إياهم بذلك ، فقد جاء في الخبر انه وعد أبا بكر قبل الهجرة بالنصر ، وانه قال له أرسلت إلى هؤلاء بالذبح ، وان الله تعالى سيغنمنا أموالهم ، ويملكنا ديارهم ، فالقول في الموضعين متساو ومتفق . قال الجاحظ وأن بين المحنة في الدهر الذي صار فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مقرنين لأهل مكة ومشركي قريش ، ومعهم أهل يثرب أصحاب النخيل والآطام والشجاعة والصبر والمواساة ، والايثار والمحاماة والعدد الدثر ، والفعل الجزل ، وبين الدهر الذي كانوا فيه بمكة يفتنون ويشتمون ، ويضربون ويشردون ، ويجوعون ويعطشون ،